‹ فهرس الموقع · صفحة المتحف الرئيسية · قطعة مُرمَّمة


اقتراحُ روبرتو كوالِيا لإقامة مؤتمرٍ للخيال العلمي في جنوة

اقتراحٌ ومداخلةٌ في المجلس
لروبرتو كوالِيا


الوثيقتان التاليتان تُشكّلان أوّلَ محاولةٍ ناجحةٍ، أُنجِزت في مدينةٍ إيطاليةٍ كبيرة، لإشراك المؤسّسات العامّة كي تلتزم بإقامة مؤتمرٍ مهمٍّ محورُه الخيال العلمي. ومؤلّفُها روبرتو كوالِيا، بصفته عضوًا في مجلس بلدية جنوة. الوثيقةُ الأولى هي خطابُه، الذي ألقاه في ٢٢ يناير ١٩٩٦ في جلسة المجلس البلدي لجنوة، تأييدًا للاقتراح الذي قدّمه هو نفسه (والذي نال توقيعَ معظم الكتل في المجلس)، وهو الاقتراحُ الذي يُشكّل الوثيقةَ الثانية في هذه الصفحة.


خلال النقاش في الجلسة، اضطُرّ الاقتراحُ إلى تحمّل حذفِ الفقرات الثلاث الأولى من الحيثيّات (التي تُدوّن فيها بعضُ الملاحظات الإشكالية عن جنوة، التي قلّةٌ جدًّا في جنوة تعترفُ بها أو تُقرّ بأنّها تعترفُ بها). كما عانى قليلًا من تعديلين يُبقيان البابَ مفتوحًا، أمام الحكومة البلدية، لإمكانية عدم تنفيذ ما اقترحه الاقتراحُ في النهاية، إن لم تتمكّن من ذلك (لا يُصدَّق، لكنّه حقيقي! خُذه، أو دَعْه…). وأخيرًا، أُقِرَّ بالإجماع….


إقرارُ المجلس البلدي لجنوة لاقتراحٍ يهدفُ إلى تنظيم مؤتمرٍ كبيرٍ عن المستقبل والخيال العلمي، لاقى صدًى وتعليقاتٍ إيجابيةً من أنحاءَ شتّى من إيطاليا بل ومن الخارج. ومن الطريف أنّ الصحافة المحلية الجنوية، بالمقابل، أهملت الخبرَ على نحوٍ خاصّ. وجاء ردٌّ غيرُ معتادٍ ومثيرٌ للإعجاب بالمقابل من باري، حيث رأى أحدُهم من المناسب حتى أن يُؤلّف ، مُهدًى إلى هذا الاقتراح وإلى مؤلّفه.


مداخلةُ روبرتو كوالِيا (قائمة بانيلّا)






حضرةَ الرئيس، سيّدي العمدة، أيّها الزملاء…

نجتمعُ اليوم هنا، أخيرًا، لنقاشٍ محورُه الثقافة. منذ أن صرتُ جزءًا من هذا المجلس قِيلَ في أمورٍ كثيرة، لكنّ كلمة «ثقافة» لم تُسمَع حتى الآن إلّا قليلًا، وليس دائمًا بدقّة.
أودُّ قبل كلِّ شيءٍ أن أتوقّف لحظاتٍ، إن سمحتم لي، ولو لمجرّد ملء العشرين دقيقة المتاحة لي ملئًا جيّدًا، عند المعنى المهمّ لتلك الكلمة، كي لا تنزلق الحُججُ التالية، من كلِّ المشاركين في النقاش، إلى الالتباس والتشويش.

أهميّةُ الثقافة

نعلمُ أنّ الثقافة مهمّة، إذ إنّ طبيعتنا نفسها ككائناتٍ بشريةٍ تنبثقُ من الثقافة التي طوّرناها عبر القرون. فإذا نُزِعت الثقافة — ومن الجدير أن يكون هذا واضحًا — تقدّمت في الإنسان الوحشيّةُ التي كان عليها دائمًا، طوال عشرات الألفيّات إلى أن، منذ بضعة آلافٍ من السنين ليس إلّا، أخرجتْه الثقافةُ من بقائه اللاواعي، أي من حالةٍ يصعبُ تمييزها عن حال أيّ ثديٍّ راقٍ آخر. هذه الظاهرةُ البالغة الغرابة، الثقافة، هي ما ولّد فينا ذلك النظامَ التمثيليَّ المُذهلَ للواقع الذي نُسمّيه اللغةَ اللفظية، التي زوّدتنا، مع الزمن، بذلك المعيار المعقّد للتحليل العلائقي للسياقات الذي أتاح أن تنشأ فينا الوعيُ البشري كما نختبرُه اليوم. آه، نعم، وفضلًا عن ذلك أتاحت الثقافةُ أيضًا كلَّ معجزات التقنية الخارقة، لكنّنا في هذا المقام يهمُّنا عقلُ الإنسان أكثرَ من نتائجه المادية.

الثقافةُ هي مبدأُ التطوّر

الثقافةُ، إذًا، هي جوهريًّا مبدأُ تطوّر الحياة نفسِه مُعبَّرًا عنه… وأكادُ أقول «مُتجسّدًا»… في تطوّر الإنسان. فلولا الثقافة، لكانت هذه الجلسةُ اليوم كهفًا مظلمًا ولكنّا نتسكّعُ هنا وهناك بلا مشاريع، نتمتمُ أصواتًا رديئةَ النطق تستحضرُ معانيَ قبليةً قليلةً ومُشوَّشة.
الواقعُ، كما نختبرُه ونعيه، هو إذًا النتاجُ المباشر للثقافة، التي زوّدتنا بالكلمات والمقولات الذهنية لتمييز وترتيب وفهم ووعي كلِّ ما هو موجود، بمن فيهم نحن.
فالثقافةُ إذًا ليست بالأمر الهيّن، إن كانت قد أنتجت كلَّ هذا.

الثقافةُ الآتية من الماضي والثقافةُ التي تخلقُ المستقبل

الواقعُ تولّده الثقافة، لكنّ الثقافة تولّدُ الواقع. ماذا تعني هذه العبارة؟ تعني أنّ بإمكاننا أن نُقسّم الثقافة إلى فئتين شديدتي الاختلاف. الثقافةُ التي كانت وأنتجت ما هو موجودٌ وما نحن عليه، ثمّ الثقافةُ الموجودةُ الآن، التي تعملُ الآن، hic et nunc، التي تُنتجُ الواقعَ الجديد الذي يُؤشّر إلى استمرار تطوّرنا.
إنّهما جانبان شديدا الاختلاف، أحدُهما عن الآخر.
الثقافةُ الموجودة سلفًا، المتراكمة لدى البشرية في آلاف السنين من التاريخ، مستقرّة، لا تتغيّر، مكتوبة، معروفة، مُعترَفٌ بها بهذه الصفة، وهي بمعنًى ما أحفورةُ التطوّر البشري، لكنّها أحفورةٌ نشطة، عاملةٌ ووظيفية، تمنحُ معنًى لكلِّ فكرةٍ وفعلٍ من أفكارنا وأفعالنا. وهي ليست مفيدةً فحسب، بل أساسيةٌ للحفاظ على الحضارة الذهنية والواقعية التي ورثناها عن أسلافنا. إنّها القوّةُ المُثبِّتة في عقل كلٍّ منّا وفي تنظيمنا الاجتماعي، تُبقينا بشرًا وتُتيحُ لنا تعايشًا هادئًا ومتحضّرًا وشيّقًا إلى حدٍّ ما. وأيُّ مبادرةٍ تُطلِقها أيُّ إدارةٍ لمجتمعٍ بشريٍّ لحماية التراث الثقافي القائم وصونِه وعرضِه وتعليمِه ثمينةٌ، وواجبة، ومباركة. لكنّ هذا في ذاته لا يكفي.
لا يكفي لأنّ هناك أيضًا تلك الفئةَ الأخرى من الثقافة، أي الثقافةَ التي تتحقّقُ الآن، الثقافةَ التي لا تُحافظ فحسب، بل تُواصلُ الآن، في هذه السنوات، في هذه الأيام، في هذه اللحظة عينها، ذلك المسارَ التطوريَّ الذي تقطعُه البشريةُ منذ الأزل بلا توقّف. وفي هذا الجانب، الثقافةُ غيرُ مستقرّة، مجهولة، نادرًا ما يُعترَفُ بها بهذه الصفة؛ وهي حيّةٌ بقدر الحياة البشرية أو أكثر، إذ منها تنبثقُ الحياةُ البشرية — كما نفهمها — لا العكس. هذه الثقافةُ المتحوّلة غيرُ مستقرّةٍ وتخلقُ عدمَ استقرارٍ في الحاضر، لكنّه عدمُ استقرارٍ خصب، إذ يبني استقرارَ المستقبل. وفي هذا الجانب لا يُعترَفُ بالثقافة عادةً بهذه الصفة، إلى أن يُتمكَّن من حصرها وفهمها، أي إلى أن تكفَّ عن التطوّر، فتصير أخيرًا أحفورةً مستقرّةً لذاتها. والإدارةُ الناضجة لمجتمعٍ بشريٍّ تُشجّعُ هذا الجانبَ الثاني من الثقافة وتدعمُه بقدر ما تحتفي بالأوّل وتُعزّزه.
الفئةُ الأولى من الثقافة التي عرّفناها هي تعبيرٌ عن التأثير المُثبِّت للماضي على حاضرنا.
الفئةُ الثانية من الثقافة التي عرّفناها هي تعبيرٌ عن الفعل الخلّاق والمُحوِّل والتطوري للمستقبل على حاضرنا.
لا ينبغي أن نُغمض أعيننا عن الماضي، ولا عن المستقبل. قد يكون هذا الخلاصةَ القصوى التي تُلخّص ببساطةٍ بالغةٍ المحاضرةَ المجرّدة التي اختتمتُها للتوّ.
لكن لا شكّ أنّه أيسرُ وأكثرُ راحةً أن نُميل انتباهنا نحو تأمّل الماضي، لا نحو تأمّل المستقبل. وهذا الميلُ ليس سيّئًا في ذاته، لكنّه سببٌ في زيادة القصور الذاتي في مسار التطوّر. وهناك ظروفٌ قد يتبيّن فيها أنّ هذا القصورَ قاتلٌ حتى. ومن الجدير أن نعيَ ذلك.

مشكلةُ جنوة

تُعاني جنوة اليوم بلا شكٍّ بسبب قصورٍ ذاتيٍّ من تلك الفئة. ففي جنوة، يكاد يُلمَسُ تعبٌ شائعٌ في تخيّل مستقبلٍ أفضل لمن يُقيمُ في هذه المدينة المُعجِبة من نواحٍ أخرى. وكثيرٌ من الظواهر الموضوعية، كـ«هجرة الأدمغة» المعروفة جيّدًا مثلًا، تُؤكّد هذا الإحساس. فقبل أن تكون اقتصاديةً، وقبل أن تكون صناعية، وقبل أن تكون سياحية، فإنّ مشكلة جنوة ذاتُ طابعٍ ثقافي، إذ إنّ الثقافة، بأوسع معانيها، هي جوهرُ روح الشعب نفسه.
وبهذا، لا يُقصَدُ الانتقاصُ من القيمة السامية للثقافة الراسخة لهذه المدينة. فلجنوة تاريخٌ مهيبٌ وتقاليدُ سامية. ولها ثقافةٌ عظيمةٌ عن ماضيها، ومن الجدير أن يكون الأمرُ كذلك. لكن من حيث ثقافةُ المستقبل، ومرونةُ التكيّف مع السياقات المتغيّرة، يسودُ القصورُ الذاتي.
ضدّ ذلك القصور العقيم، علينا اليوم أن نتحرّك. علينا أن نُعمِل، على حياتنا، من أجل مدينتنا، تأثيرَ المستقبل بقدر تأثير الماضي أو أكثر. فالثقافةُ الديناميكية، الثقافةُ المتحوّلة، هي التي تخلقُ، على أسس الثقافة الراسخة، الواقعَ الجديد، وبخلقها الواقعَ الجديد تحلُّ المشكلاتِ الجديدة. فكلُّ تقدّمٍ، وكلُّ تطوّر، يحملُ معه في الواقع عبءَ مشكلاتٍ جديدة، لا يمكن مواجهتُها وحلُّها إلّا باختراعٍ جديد، إلّا بخطوةٍ جديدةٍ إلى الأمام للثقافة البشرية.
نحن اليوم، في جنوة، نواجهُ الضِّيقَ الناتج عن قصورٍ في قدرة المدينة على أن تتموضع على نحوٍ خلّاقٍ إزاء المشكلات الجديدة التي يُولّدها المجتمع الحديث. فالعالَمُ، الذي كان في الزمن الذي سادت فيه جنوة شاسعًا ومُجزّأً، صار اليوم صغيرًا وأكثرَ وحدة. نعيشُ في قريةٍ كونية، كما عرّف ماكلوهان المجتمعَ الحديث منذ عقود. وهي قريةٌ كونيةٌ رائعةٌ ومرعبة، تُقدّمُ الكثيرَ لمن يريدُ ويعرفُ أن يكون جزءًا منها بقوّة الإبداع، لكنّها تُهمّشُ بلا رحمةٍ من لا يعرفُ، بالمقابل، أن يُقدّم نفسه إليها بالظهور اللامع الضروري والمناسب.
ظهر مؤخّرًا في New York Times ملحقٌ مطوّلٌ عن مدينتنا، أشاد بالروائع التي نعرفُها جيّدًا. وفي المقال نفسه أُشير، مع ذلك، وبشيءٍ من الأسى، إلى ما لا يستطيع أحدٌ منّا إنكاره، وهو أنّ جنوة، حتى اليوم، تفعلُ القليلَ جدًّا، إن لم يكن لا شيء، قياسًا بما ينبغي أن تفعله، لتُظهِر للعالَم مفاتنها، ولتنالَ مواطنةً كاملةً ومثمرةً في القرية الكونية.
ربّما كان هناك زمنٌ يكفي فيه مدينةً كجنوة ماضيها لبناء حاضرٍ أمثل. واليوم لم يعد الأمرُ كذلك. فلبناء الحاضر الأفضل الذي نتوقُ جميعًا إلى بنائه — ولهذا، آمُلُ، نجتمعُ طقسيًّا في هذه الجلسة — صار اليوم حتميًّا أن نُحفّز ضمائرنا كي تُعيد توجيه انتباهها بقوّةٍ نحو المستقبل، وأن تستخلص من المستقبل الأفكارَ الجديدة والثقافةَ الجديدة والقوّةَ الجديدة اللازمة لخلق ذلك الواقع الجديد، ذلك الحاضرِ الجديد الأفضل الذي نقول جميعًا بالكلام إنّنا نرغبُ فيه.

مؤتمرٌ كبيرٌ عن المستقبل والخيال العلمي

لهذا من بالغ الأهمّية أن يُنجَز في أقرب وقتٍ مشروعٌ ملموسٌ وواسعُ الأفق. لقد اقترحنا، في هذا الاقتراح، أن تلتزم الحكومةُ البلدية بأن تجمع، بين كلِّ الهيئات والمؤسّسات والجمعيّات المحلية، القوى القادرة على أن تُنظّم في جنوة مؤتمرًا كبيرًا محورُه المستقبلُ وأدبُ وسينما الخيال العلمي.
انظروا، الخيالُ العلمي، خصوصًا في وجهه الأدبي، أكثرُ من أيّ منتَجٍ فكريٍّ آخر في هذا القرن، هو تعبيرٌ عن الحساسية المُرهَفة للكائن البشري إزاء التحوّلات المُربِكة التي يهبُها التقدّمُ لمجتمعنا ولحياتنا اليومية. وُلِد الخيالُ العلمي في أواخر القرن الماضي فقط. وحتى ذلك الحين كان التقدّمُ يتقدّمُ ببطءٍ نسبي، وكان يبدو عمومًا غيرَ معقولٍ، خصوصًا لعامّة الناس، أن نتخيّل أنّه قد يُحوّل المستقبلَ جذريًّا. وُلِد الخيالُ العلمي، ثمّ نما ونما ونما، طوال هذا القرن، لأنّ أناسًا أكثرَ فأكثر اكتشفوا في فعل تخيّل المستقبل تلك القوّةَ التي تُولّد حاضرًا جديدًا. نعلمُ جميعًا أنّ جول فيرن روى الرحلةَ إلى القمر قبل أكثرَ من نصف قرنٍ من حدوثها. لكنّ الخيال العلمي روى أيضًا القنابلَ الذرية قبل الحرب العالمية الثانية، وطرح الثقوبَ السوداء قبل العلماء، ورأى وتنبّأ بآلاف المعجزات التقنية التي صارت اليوم واقعًا، وسبق بعقودٍ النقاشَ الأخلاقي حول بعضها. حين كتب ألدوس هكسلي عام ١٩٣٣ «عالَمًا جديدًا رائعًا»، روى التلفزيونَ في كلِّ بيت، والقصفَ الإعلاني الهَوَسي، والأدويةَ المُهدّئة. كان ذلك خيالًا علميًّا. واليوم هو خبرُ صحف.
تخيّلُ مستقبلٍ مختلف. هذا ما يفعلُه الخيالُ العلمي. وهذا ما تقترحُه جنوة كي تمنح نفسها واقعًا أكثرَ انسجامًا مع السياق العالمي الراهن والمستقبلي.

إشارةٌ مهمّة

إنّ تنظيمَ مؤتمرٍ كبيرٍ في جنوة محورُه المستقبلُ والخيال العلمي سيكون إشارةً خصبةً ومهمّة، داخل المدينة وخارجها على السواء. سيجلبُ إلى جنوة بعضًا من أبرز كتّاب العالم، الذين سيُوفّر إسهامُهم في النقاش حافزًا قويًّا للمواجهة والتأمّل لثقافتنا. وسيجذبُ هواةً من كلِّ إيطاليا، بمنافعَ إيجابيةٍ فوريةٍ ذات طابعٍ سياحي. كما سيفتحُ لجنوة فرصًا ملموسةً أخرى على المدى الأطول.

مؤتمرات الخيال العلمي في العالم

لأنّ، انظروا، مؤتمرات الخيال العلمي ليست أمرًا جديدًا في العالم. نُظِّمت أوائلُها في الولايات المتحدة، قبل نصف قرن. كانت متفرّقة، يحضرُها بضع عشراتٍ من الناس. أحدُهم كان اسمُه إسحاق أزيموف. ربّما يَعرفُ بعضُكم الاسم. لكنّ هذه اللقاءات نَمَت مع السنين عددًا وحجمًا. واليوم، في كلِّ أمّةٍ يشيعُ فيها الخيالُ العلمي، يُقام مؤتمرٌ سنويٌّ واحدٌ على الأقلّ، وفي كلِّ قارّةٍ مؤتمرٌ قاريٌّ واحدٌ على الأقلّ. ولو أثبتت جنوة أنّها قادرةٌ على تنظيم مؤتمرٍ جيّد — وأنا واثقٌ أنّ ذلك ممكن — لما كان صعبًا، في أحد الأعوام القادمة، الحصولُ على إسناد المؤتمر الأوروبي، وتكرارُ التجربة بفاعليةٍ وفائدةٍ مُعزَّزتين.

معرضٌ للمستقبليّات للألفية الجديدة

وأخيرًا… لا أدري أنتم، لكنّي أحبُّ الحُلم. لستُ الأوّل، وقطعًا لن أكون الأخير. ولا أرى لماذا لا تستطيع جنوة في المستقبل، ربّما في مطلع الألفية القادمة، أن تُثبِت أنّها على مستوى الحصول حتى على إسناد المؤتمر العالمي. لأنّ… انظروا: تغيّرُ الألفية ليس حدثًا متكرّرًا، وفق مقاييسنا. تغيّرُ الألفية لحظةٌ حاسمةٌ في تاريخ البشرية. ومطلعُ الألفية الثالثة المُقترِب لحظةٌ حاسمةٌ، لا مفرّ منها ومثالية، للانطلاق في حصادٍ مهيبٍ للأحداث الماضية وإرساءِ أُسس التاريخ المستقبلي. وها هو مؤتمرٌ عالميٌّ كهذا في جنوة، في فجر الألفية الثالثة، سيتجاوزُ المجاريَ الواسعة أصلًا للخيال العلمي، فيُقدّم نفسه للعالَم مقرًّا مثاليًّا لمعرضٍ أشملَ للمستقبليّات، فرصةً فريدةً في العالَم ومهيبةً للقاءٍ ومواجهةٍ استقرائيةٍ حول المستقبليّات العمرانية والتقنية والبيئية والاجتماعية، حيث يُمكن السعيُ إلى توليفةٍ كليّةٍ لمشكلات البشرية، فتُعيدُ بقوّةٍ وضعَ جنوة بين مدن العالَم الحيّة.

المؤتمرُ العالمي للخيال العلمي في أوروبا

هذا العام عُقِد المؤتمرُ العالمي في اسكتلندا. وقبل خمس سنوات عُقِد في هولندا. وقبل سنواتٍ قليلةٍ حلَّ مرّتين أُخريين في أوروبا، في ألمانيا وإنجلترا على التوالي. لا أرى لماذا لا يمكن إيصالُه إلى إيطاليا أيضًا، وعندئذٍ، لماذا لا إلى جنوة؟ وليُؤخَذ في الحسبان أنّ المؤتمرَ العالمي يجذبُ، من أمريكا وحدها، من ٥٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ مشارك. ولا حاجةَ لذكر مزايا مثل هذا الاحتمال.

جنوة عاصمةُ المستقبل

لكن ريثما يتجسّدُ حُلمُ جعل جنوة لعامٍ كاملٍ العاصمةَ العالمية للمستقبل، لنعُد بأقدامنا إلى الأرض. جنوة عاصمةُ المستقبل يجبُ أن تسير على مراحل. ونحن واثقون أنّ هذه الحكومة البلدية ستتمكّن من أن تجد، بين كلِّ القوى العاملة في هذه المدينة، تلك القادرةَ على إعطاء شكلٍ وجسدٍ لهذه النيّة، ومقتنعون أنّ عليها أن تفعل ذلك. فمن بين كلِّ أولويّات المدينة، تبدو لنا أولويةُ مواجهة المستقبل وجهًا لوجه، باسمه، باستكشافه علنًا، ذاتَ إلحاحٍ لا يُستهان به.
لا أدري أنتم، لكن بالنسبة لي، لمسامعي، «جنوة عاصمةُ المستقبل» تبدو أحسنَ من «جنوة أَمَةُ الماضي».

روبرتو كوالِيا، ١٩٩٦


سعادةَ العمدة
لبلدية جنوة

اقتراح

المجلسُ البلدي لجنوة

إذ تبيّن أنّ

- مدينة جنوة تُبدي، منذ زمنٍ سحيق، ولأسبابٍ تاريخية، موقفًا عامًّا من الانغلاق على الخارج، موقفًا يُمسي في الأزمنة الحديثة سببًا في أضرارٍ ملموسةٍ للمدينة نفسها، كصعوبةٍ واضحةٍ في أن تصير صاحبةَ مبادراتٍ قادرةٍ على جذب الانتباه الوطني والدولي، فتحرمُ نفسها بذلك، من جملة أمور، من فرصة أن ترى السياحةَ تزدهرُ أخيرًا، وبالتالي رفاهيتها تنمو

- هذا الميلُ إلى الانغلاق، في الزمن الحاضر وأكثرَ في المستقبل، هو، وسيكون أكثرَ فأكثر، متنافيًا مع عالَمٍ تجعلُه الكفاءةُ المتنامية لأنظمة الاتصال «مفتوحًا» بالضرورة، عالَمٍ عمّده ماكلوهان، منذ بضعة عقود، وليس مصادفةً، بـ«القرية الكونية»

- كما يتبيّن من تصريحاتٍ عبّرت عنها مرارًا أغلبُ القوى السياسية الجنوية، وكذلك من برنامج العمدة ومن عدّة مداخلاتٍ شفهيةٍ علنيةٍ له، فإنّ مدينة جنوة تعتزمُ تجاوزَ ميلها إلى الانغلاق وتُظهِرُ إرادةً في أن ترى نفسها تُولَد من جديد، مستعيدةً ذلك المكان في العالَم الذي أكسبها في زمنٍ آخر لقبَ «المتكبّرة»

وإذ تُقرّ بأنّ

- محرّكُ كلِّ تغييرٍ نحو الأفضل هو الممارسةُ الواعيةُ للنشاط الذهني، وأنّ هذه الوظيفة في الكائن البشري هي نتيجةُ تلك الفئة المهمّة من الظواهر التي تمنحُ معنًى لأفضل دلالةٍ لكلمة «ثقافة»، وأنّها بالتالي، في المقام الأول، نشاطٌ ثقافيٌّ حيّ، الأداةُ التي لا غنى عنها لتحقيق كلِّ تلك الأهداف من «الانفتاح الذهني» والانفتاح على العالَم وعلى الجديد عمومًا، الضرورية لإطلاق ذلك التغيير المُنعِش نحو الأفضل الذي تتوقُ إليه المدينةُ اليوم، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، لحُسن الحظّ

وإذ تأخذُ في الاعتبار أنّ

- جنوة، أكثرَ من أيّ مدينةٍ إيطاليةٍ كبيرةٍ أخرى، تُعاني أزمةً عميقةً مرتبطةً بالتدهور الدرامي، في عقول مواطنيها، للتوقّعات عن مستقبلٍ مُواتٍ، حالةٌ تُسبّبُ ظاهرةَ «هجرة الأدمغة» المعروفةَ والمُثبتة نحو شواطئَ أكثرَ وعدًا، فتحرمُ جنوة، للحاضر وقبل كلِّ شيءٍ للمستقبل، من أولئك الأفراد اللامعين الذين تحتاجُ وستحتاجُ إليهم حاجةً حيوية

- الحالةُ النفسية المذكورة لدى كثيرٍ من الجنويّين، أي عدمُ التمكّن من تخيّل مستقبلٍ مُوات، هي السببُ الرئيس لظاهرة الضِّيق لدى الشباب وخصوصًا لإدمان المخدّرات، وهي ظاهرةٌ تبرزُ فيها جنوة في إيطاليا (بينما تبرزُ إيطاليا في أوروبا)

- بالنظر إلى الاعتبارات المذكورة، فإنّ إعادةَ بناء مُتخيَّلٍ إيجابيٍّ عن مستقبلنا المشترك هي السبيلُ الرئيس البدهيُّ الذي لا يُنازَع لمقاومة التدهور النفسي التدريجي وما يتبعُه من ضِيقٍ لدى الشباب، وليس الشبابَ وحدهم

- لإتاحة الفرص للمواطنين كي يُنمّوا في أنفسهم مُتخيَّلًا إيجابيًّا عن المستقبل، ينبغي أن تُعَدَّ منطقيًّا إيجابيةً أيُّ مبادرةٍ قادرةٍ على أن توجّه، قبل كلِّ شيء، الانتباهَ العامّ نحو المستقبل، ولهذا السبب يكون بلا شكٍّ أكثرَ نفعًا استراتيجيًّا تنظيمُ فعاليّاتٍ محورُها تخيّلُ المستقبل بدلًا من، مثلًا، مجرّد الاحتفاء بالماضي

وإذ تُلاحظ أنّ

- يُوجَدُ في العالَم، منذ أكثرَ من قرنٍ الآن، حقلٌ أدبيٌّ مُكرَّسٌ بأكمله للتأمّل في التحوّلات التي سيُلحِقها التقدّمُ بالحياة البشرية في المستقبل، وأنّ هذا الأدب يُوسَمُ عالميًّا بالمصطلح الإنجليزي «science fiction» (= «أدب العلم»)، وأنّ هذا الحقل الأدبي في نموٍّ مستمرٍّ في العالَم كلِّه، كمًّا من الكتّاب والقرّاء على السواء، دليلًا على حاجةٍ وشغفٍ متناميين لدى الكائنات البشرية لتوجيه أفكارها نحو الأسرار والمجاهيل التي يُخفيها المستقبل

- تتجلّى أهمّيةُ هذا الحقل الأدبي بإنشاء، في جامعاتٍ مهمّةٍ بالولايات المتحدة، شهادةٍ في science fiction، وكذلك بالاستشارات التي يطلبُها البنتاغون بانتظامٍ من أبرز كتّاب الخيال العلمي، وكذلك بمنح NASA مؤخّرًا وسامَ الجدارة العامّة الرفيعة للكاتب الشهير للخيال العلمي آرثر سي. كلارك

- هذا الحقلُ الأدبي ليس إلّا محورَ وقلبَ تنشيطٍ أوسعَ لاهتمام الناس بمواضيع المستقبل والمستقبليّات، ظاهرةٌ تُلحَظُ بملاحظة النجاح المتنامي للإنتاجات السينمائية والتلفزيونية للخيال العلمي وتكاثرها العددي تبعًا لذلك، وكذلك بنشوء ظواهرَ سلوكيةٍ حقيقيةٍ ذات صلة

- حقلُ الخيال العلمي ولّد ويُولّد شخصيّاتٍ ذاتَ مكانةٍ وشهرةٍ خاصّتين، ونذكرُ مثالَي إسحاق أزيموف وويليام غيبسون، كما يُرسي، في الحقل السينمائي، معالمَ المُتخيَّل الجمعي، ونذكرُ مثالَي «2001: أوديسا الفضاء» و«Blade Runner»

- تُوجَدُ في العالَم جماعةٌ منظّمةٌ حقيقيةٌ من هواة الخيال العلمي، منتشرةٌ في أوروبا والأمريكتين وآسيا وأستراليا، تُنظّم سنويًّا مؤتمرًا عالميًّا، ومؤتمرًا قاريًّا في كلِّ قارّة، وكذلك مؤتمراتٍ وطنيةً ومحليةً في كلِّ البلدان

- الجماعةُ المنظّمة المذكورة من هواة الخيال العلمي في ازديادٍ مستمرٍّ منذ خمسين عامًا، كما أنّ المشاركات العددية في المؤتمرات المذكورة في ازديادٍ مستمرّ، إذ تبلغُ غالبًا آلافَ المسجَّلين، وأنّ هذا النموَّ مُقدَّرٌ حتمًا أن يتسارع في المستقبل القريب بفضل وسائل الاتصال الجديدة القوية المتمثّلة في الشبكات المعلوماتية (الإنترنت في الطليعة)، التي ارتبط بها جُلُّ هواة الخيال العلمي أو سيرتبطون بها قريبًا

وإذ تُقدّر أنّ

- تنظيمَ مؤتمرٍ في جنوة محورُه دراسةُ المستقبل، وخصوصًا أدبُ وسينما الخيال العلمي، سيكون بالغَ النفع للمدينة لأسبابٍ متعدّدة: لأنّه قبل كلِّ شيءٍ سيُمثّل إشارةً قويةً وواضحةً على إرادةٍ محدّدةٍ للمدينة في أن تنظر إلى المستقبل بثقةٍ متجدّدةٍ ومُنعَشة؛ ولأنّه سيُقدّم للمواطنين الحافزَ والفرصةَ العمليةَ للانفتاح على مجال تفكيرٍ — تخيّلِ المستقبل والتبعات المرتبطة بتقدّم العلم — مفيدٍ وضروريٍّ لمواكبة التطوّر الفكري للعالَم؛ ولأنّه سيجذبُ إلى جنوة هواةَ الخيال العلمي من كلِّ إيطاليا بل ومن الخارج، بانعكاساتٍ إيجابيةٍ بدهيةٍ ذات طابعٍ سياحيٍّ واقتصادي، على المديين القصير والطويل؛ ولأنّه سيُعيدُ إلى الانتباه والتقدير الوطني والدولي صورةً لجنوة إيجابيةً بقوّة

- لم تطرح أيُّ إدارةٍ لمدينةٍ إيطاليةٍ كبيرةٍ حتى الآن قطُّ تنظيمَ مثل هذا المؤتمر هدفًا لها، وأنّ جنوة بالتالي ستكون، بهذا المعنى، الأولى في إيطاليا، دورٌ سيُبرِزُ أهمّيةَ الحدث ويُضخّمُ الدعايةَ الإيجابية الناتجة عنه

- نجاحُ مثل هذا المؤتمر سيُرسي شبهَ يقينٍ بإمكان إسناد تنظيم المؤتمر الأوروبي إلى جنوة في أحد الأعوام القادمة، فضلًا عن إرساء إمكانيةٍ، ليست بعيدةً جدًّا، لإسناد المؤتمر العالمي إلى جنوة في العقد القادم

- كلُّ دور النشر الإيطالية الرئيسية، المتخصّصة في أدب الخيال العلمي، أعلنت اهتمامها بالتعاون والمشاركة في مثل هذا الحدث

- الطابعُ الخاصّ لهذا النوع من الأحداث يتلاءمُ خصوصًا مع إيجاد صدًى في كلِّ وسائل الإعلام الجماهيري، فيضمنُ خاصّةً ذلك العائد الصُّوَري الذي سبق الحديثُ عنه

- جنوة، منذ سنواتٍ الآن، وفي النوايا المُعلَنة، تنظرُ إلى المستقبل بأمل إعادة إطلاق صورتها، في عينَي نفسها وفي عيون العالَم، أملٌ حيٌّ ونابضٌ دائمًا وإن شابَه موقفٌ أتاويٌّ من التذمّر العقيم ومن خيبةٍ طقسيةٍ إزاء الفرص العديدة المُهدَرة في الماضي، موقفٌ تاريخيٌّ يُقال الآن إنّها مستعدّةٌ لهزيمته

- يلتزمُ مقدّمو الاقتراح بأن يضعوا تحت تصرّف الحكومة البلدية ما لديهم من كفاءات، لتيسير أفضل تخطيطٍ ممكنٍ لمثل هذا الحدث

تحثُّ العمدةَ والحكومةَ البلدية

- على العمل باجتهادٍ لتجمع بين الهيئات العامّة والجامعة ودور النشر والجمعيّات، القوى القادرة على أن تُنظّم، في جنوة، حدثًا كبيرًا محورُه تخيّلُ المستقبل ودراستُه، وأدبُ وسينما الخيال العلمي، وكلُّ ما له صلةٌ أخرى بالموضوع، يُقام إن أمكن في غضون عامٍ كحدٍّ أقصى

- على الحرص على أن يُتوقَّع في هذا الحدث جانبٌ مؤتمري، حيث يمكن أن تتطوّر نقاشاتٌ ذاتُ عمقٍ فكريٍّ ملحوظ، وجانبٌ استعراضي، يكونُ سببَ جذبٍ وصدًى قويين

- على الحرص على إقامة اتّصالاتٍ بشخصيّاتٍ بارزة، وطنيةٍ ودولية، مختصّةٍ بالمواد المتعلّقة بالموضوع، بغية ضمان مشاركتها في الحدث

- على تقييم إمكانية تعاونٍ مع ناديٍ سينمائيٍّ أو أكثر في المدينة، فيما يتعلّق بالجانب السينمائي للحدث

- على دراسة كلِّ طريقةٍ ممكنةٍ لجعل الحدث أيضًا حدثًا تلفزيونيًّا على المستوى الوطني، بغية ضمان أقصى ظهورٍ لجنوة على الساحة الوطنية، بالبدء من الآن في اتّصالاتٍ بهذا المعنى مع المسؤولين عن أهمّ القنوات التلفزيونية الإيطالية

- على العمل بغية ضمان تعاون المقاطعة والإقليم وإيجاد رعاياتٍ للحدث، بحيث يُثقِلُ كاهلَ الميزانية البلدية بأقلّ قدرٍ ممكن

- على إبقاء المجلس البلدي مُطّلِعًا باستمرارٍ على سير تنظيم هذا الحدث، بعرض المشروع على اللجنة عند الاقتضاء في مراحله المختلفة

وثائقُ سياسيةٌ أخرى لـ ر. كوالِيا

الغلاف | الفهرس | السيرة الذاتية | كتاباتي | الخيال العلمي | الصُّوَر | | الصحافة | المكتبة | المُلصَق | السياسة | السخرية | الأذواق | الأصدقاء | بشريّاتٌ متنوّعة | ساهِم في حياة روبرتو | التواصل | روابط |

Foto de Roberto Quaglia Foto de Roberto Quaglia

إذا أردتم التواصل مع هذا المتحوِّل
الذي يُغيِّر وجهه مع مرور الزمن،
فأنتم تعرفون كيف تفعلون ذلك.

وإن كنتم لا تعرفون، انقُروا هنا

وإن لم تُفلِحوا حقًّا، فاذهبوا في حال سبيلكم

آخر تعديل، ٢٣ أكتوبر ٢٠٠٣

© 1995-2006 by Roberto Quaglia